الفناء الداخلي

شكل البيت أو السكن واحدا من أهم العناصر المادية للفرد والمجتمع، كما يُعَدّ قالبا حيويا للهوية الثقافية، ذلك أن اختيار المسكن يعكس نظرة الإنسان للحياة، كما أن طبيعة البيت الذي يعيش فيه تنعكس سلبا أو إيجابا على حالته النفسية والاجتماعية. وقد تبلورت على مدى الزمن أنماط وأشكال معمارية نابعة من تفاعل الإنسان مع بيئته الطبيعية، ورسخت في الذاكرة المشتركة والمتراكمة للمجتمعات العربية الإسلامية، وأصبحت مرتبطة ارتباطا وثيقا بنظرة هذه المجتمعات لثقافتها. واقترن البيت العربي بشكل عام منذ قديم الزمان بفكرة الفناء الداخلي (الحوش)، إذ إن بيوت منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط وبلاد ما بين النهرين ومصر، كانت تحوي الفناء في داخلها، وجاء الإسلام ليعزز هذه النمط المعيشي، لما يوفره من التصاق بالطبيعة، وما يحققه من احترام لخصوصية البيت والجوار.
وللفناء دور كبير في توفير بيئة طبيعية محمية تتلاءم مع الفطرة وتتفاعل مع الحواس الإنسانية. لكن الآلية التي يتم بها تفاعل هذه العوامل في الفناء وانعكاس ذلك على مدى القيمة البيئية لهذا الحيز، ترتبط بشكل وثيق بمفاهيم فطرية استوعبها الإنسان على مدى الزمان وانعكس ذلك على صياغته لبيئته بشكل عام ومنها الفناء. إن الفهم العميق لهذه الآلية يكشف أسرار تلك الصياغة وينير الطريق نحو صياغات جديدة مع الاستفادة من الإمكانيات العديدة المتاحة اليوم.

صوليرة1
يمكن القول إن للإنسان حاسة خاصة بالدفء والبرودة، حاسة حرارية تماما مثل الحواس التقليدية الأخرى كالإبصار والشم واللمس، لكنها تُدرَج عادة ضمن حاسة اللمس. وكبقية الحواس، هناك متعة خاصة باستخدام «الحاسة الحرارية»، فجميلٌ أن يحس الإنسان بالدفء من أشعة الشمس، أو البرودة من نسيم الصيف المنعش. إن الاستمتاع بهذه الأحاسيس هو دلالة على الصحة والعافية. وتزيد هذه المتعة عندما يكون هناك إحساس بتباينٍ حراري. فمثلا يكون الاستمتاع أكبر ببرودة الهواء المنعش في الفناء عندما نتخيل الصحراء الحارة الجافة في الخارج. ويزيد هذا الإحساس كلما زاد تأكيد الفصل بين البيئتين باستخدام جدران عالية حول الفناء تركّز داخله الإحساس بالبرودة اللطيفة وتعزز التباين بين الداخل والخارج.

issue_64_gardens

تعتمد حاسة الحرارة هذه على الاتصال المباشر بالبيئة، أي أنها لا تستطيع أن تحذّرنا من أن مكانا سيكون ساخنا قبل أن يبدأ بتسخين أجسامنا، ولذلك فإن علينا أن نعتمد على حواس أخرى لتعطينا مؤشرات مسبقة، فننظر إلى أمور مرتبطة بالإحساس بالبرودة أو بالدفء من خلال تجاربنا السابقة ومن خلال فطرتنا الطبيعية. ملمس الأسطح مثلا قد يكون مؤشرا جيدا للحرارة المتوقعة: الرخام المصقول يعطي الانطباع بالبرودة، بينما الطوب الطيني الخشن يرتبط بالاحساس بالدفء. الألوان أيضا لها دلالاتها: الأبيض والأزرق يوحيان بالبرودة المرتبطة بالماء البارد من النافورة، والبني والأحمر يوحيان بالدفء المنبعث من النار.

وعادةً ما يكون بلاط السيراميك الذي يكسو جدران الفناء بلون أبيض وأزرق للسبب نفسه. وكذلك فإن الروائح العطرة وتغريد العصافير توحي بالبرودة المنعشة في حديقة مليئة بالزهور والظلال. وقد يصل الأمر ببعض هذه المؤثرات إلى درجة يمكن بعدها الاستعاضة به عن التجربة الحرارية نفسها. فمثلا قد يكون مجرد رؤية الشجرة المورقة في الفناء والنافورة في وسطه كافيا للحصول على إحساس كامل بالمتعة المنعشة. وهناك دلالات قد تأتي من الحواس الأخرى تساعدنا على الإحساس بالعوامل الحرارية، ما يمكّننا من الاستمتاع بها أكثر. فمثلا هناك أساليب عدة يمكن من خلالها أن نلاحظ حركة الهواء الذي يبرّد الجو حولنا وإن كانت تلك الحركة خفيفة جدا.
ومن ناحية أخرى، فإن التوتر الذي يَنتج عن الحرارة الزائدة، وأشعة الشمس الساطعة، والهواء الجاف، يتطلب برودة هادئة وعميقة في مكان يلجأ إليه الإنسان للراحة بسلام بعيدا عن الشمس. وهنا نجد أن حديقة الفناء توفر العلاج للخمول والتعب الذي يصيب الحواس من قسوة العوامل الجوية. إن حيوية النافورة والأعناب المعروشات بأوراقها المهتزة التي تُوجد ظلا

والنباتات المتنوعة التي ترطب الجو الجاف، وتثري البصر بألوانها الزاهية، ووجود أماكن فيها ماء وأخرى ذات ظل عميق هادئ، كل ذلك يعطي المرء حرية الحركة بين هذه العناصر المختلفة ليختار المكان الذي يناسبه حيث التوازن بين الحيوية والهدوء في أتم أحواله بما يريح الإنسان من متاعب يومه.

وقد اعتنى البناءون في الماضي بتوجيه البيوت وأفنيتها آخذين في الحسبان اتجاهات الرياح السائدة وحركة الشمس، ما يجعل البيت منسجما في توزيعه مع العوامل الجوية وتقلباتها على مدار المواسم الأربعة. إن الفروقات الحرارية والموسمية تُنتج أنماطا للحركة داخل الفناء والبيت الذي يحيطه لتصبح عاداتٍ تضاف إلى الثقافة الإنسانية والاجتماعية. وفي هذا النظام يصبح الشعور بالمحبة موجَّها نحو أماكن محددة من البيت لكونها توفر الأجواء المطلوبة، ما يجعل هذه الأماكن محورا اجتماعيا، إذ تجذب إليها الناس لاستغلال أجوائها الطيبة.

Slide2
وكما هي الحال في متعة الأكل مثلا، فإن «الراحة الحرارية» تصبح تجربة من الممتع أن نشارك فيها مَن نحب، ذلك أن الإحساس المشترَك الواعي بالراحة، يخلق نوعا من العلاقات  الاجتماعية ويكوّن وسيلة لتعزيز الصداقة. وهناك نماذج عديدة لهذا النوع من الأماكن الخاصة في البيوت العربية تم تطويرها عبر الزمان وأصبحت عناصر أساسية من اللغة المعمارية التي صيغت بها هذه البيوت.
في بيوت القاهرة القديمة مثلا، يتمتع المقعد المطلّ على الحوش بجو منعش ويستحوذ على إطلالة مميزة على الفناء، وعندما يأتي الأصدقاء لزيارة صاحب البيت فإن المقعد هو المكان الذي يجلسون فيه لقضاء وقت ممتع، وكذلك الحال بالنسبة لما يسمى «التختبوش» الذي عادة ما يقع بين فناءين في البيت نفسه على مستوى الطابق الأرضي في هذه البيوت التي تعود إلى العصر العثماني. وفي كثير من الثقافات، يلعب الفناء دورا مهما كمحيط أو إطار يتعلق بترابط الأسرة. ذلك أن الظروف الحرارية الخاصة التي يوفرها هذا المكان تهيئ العائلة للالتقاء فيه، ما يؤكد وحدة العائلة، لأن الاستمتاع الفردي بالراحة المادية ينعكس على الإحساس بالعافية لدى الأسرة كلها.
إن علاقة المكان بهذا الإحساس بالعافية من الأسباب التي تجعلنا ننظر إلى المكان بمحبة خاصة، لأنه مسؤول عن مَنْحِنا لحظات سعيدة في حياتنا. وهذه المحبة تنعكس بدورها على مدى الاهتمام الذي يوليه الإنسان لهذا المكان من إضافة الزخارف والزليج الملون الذي يزين جدران البيوت المغربية مثلا، والعناية بالزهور والنباتات التي تزين حدائق البيوت والمصرية والأندلسية.
وفي البيوت العربية نجد أن أجمل جدرانها هي تلك التي تحيط بالفناء كما هي الحال في الدور الشامية والحلبية، إذ يصبح الفناءُ المكانَ المحبب في البيت كل، ويمثل المركزَ الذي يرمز إلى الوحدة الأزلية بين الإنسان والكون، التي تسعى إليها النفس بحثا عن التوازن والاستقرار الداخلي من خلال الخيال، وبمساعدة عناصر مادية تثري هذه التجربة وتفعّل ذلك الخيال.
لذلك فإن الحوش المفتوح إلى السماء، يتمتع بطبيعة متحركة متغيرة لكونه يعيش الفصول الأربعة، يسقط فيه المطر في الشتاء، وتسقط أوراق أشجاره في الخريف، وتتألق وروده وأزهاره في الربيع والصيف. أجواؤه كونية تتفاوت وفق حركة الشمس والهواء، ويتناوب فيه الظل والضوء والحر والبرد في حركة دائمة.، فالفناء يعوض الإنسان عن الطبيعة التي حُرم منها داخل المدينة، ويوفر له الحيز الإنساني المناسب لممارسة عاداته الاجتماعية وأمور حياته اليومية.

مقتبس من

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s